الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
314
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
القوم على ما قاتلناهم عليه أمس . ولم يقل هذا إلّا قليل من الناس ، ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة وثارت الجماعة بالموادعة ، فقام علي عليه السّلام وقال : « إنهّ لم يزل أمري معكم على ما أحب إلى أن أخذت الحرب منكم ، وقد واللّه أخذت منكم وتركت ، وأخذت من عدوّكم ولم تترك ، وإنّها فيهم أنكى وأنهك ، إلّا أنّي كنت أمس أميرا ، فأصبحت اليوم مأمورا ، وكنت ناهيا ، فأصبحت منهيا ، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » ثم تكلّم رؤساء القبائل ، فأما من ربيعة - وهي الجبهة العظمى - فقام كردوس بن هاني البكري فقال : أيّها الناس واللّه ما تولينا معاوية منذ تبرّأنا منه ، ولا تبرّأنا من علي عليه السّلام منذ توليناه ، وإنّ قتلانا لشهداء ، واحياءنا لأبرار ، وإنّ عليّا عليه السّلام لعلى بيّنة من ربهّ ، وما أحدث إلّا الانصاف ، وكان محقّا منصفا ، فمن سلّم له نجا ، ومن خالفه هلك . ثم قام شقيق بن ثور البكري فقال : أيها الناس إنّا دعونا أهل الشام إلى كتاب اللّه ، فردوّه علينا ، فقاتلناهم عليه . وإنّهم دعونا إلى كتاب اللّه ، فإن رددناه عليهم حل لهم منّا ما حل لنا منهم ، ولسنا نخاف أن يحيف اللّه علينا ولا رسوله ، وإنّ عليّا عليه السّلام ليس بالمراجع الناكص ، ولا الشاك الواقف ، وهو اليوم على ما كان عليه أمس ، وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى إلّا الموادعة . ثم قام حريث بن جابر البكري فقال : أيها الناس إنّ عليّا عليه السّلام لو كان خلوا من هذا الأمر لكان المفزع إليه فكيف وهو قائده وسائقه وانهّ واللّه ما قبل من القوم اليوم إلّا ما دعاهم إليه أمس - إلى أن قال - وقام الحضين الربعي - وكان أصغر القوم سنا - فقال : أيّها الناس إنّما بني هذا الدين على التسليم ، فلا توقروه بالقياس ، ولا تهدموه بالشفقة . فإنّا واللّه لولا تقبل لا نقبل إلّا ما نعرف لأصبح الحق في أيدينا قليلا ، ولو تركنا وما نهوى لكان الباطل في أيدينا كثيرا ، وإنّ لنا داعيا قد حمدنا ورده وصدره ، وهو المصدق على ما قال ، المأمون على ما فعل ، فإن قال : لا .